محمد بن جرير الطبري
569
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
القول في تأويل قوله تعالى ذكره : { وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 42 ) } قال أبو جعفر : وفي قوله : " وتكتموا الحق " ، وجهان من التأويل : أحدُهما : أن يكون الله جل ثناؤه نهاهم عن أن يكتموا الحق ، كما نهاهم أن يلبسوا الحق بالباطل . فيكون تأويل ذلك حينئذ : ولا تلبسوا الحق بالباطل ولا تكتموا الحق . ويكون قوله : " وتكتموا " عند ذلك مجزومًا بما جُزِم به " تلبسوا " ، عطفًا عليه . والوجه الآخر منهما : أن يكون النهي من الله جل ثناؤه لهم عن أن يلبسوا الحق بالباطل ، ويكون قوله : " وتكتموا الحق " خبرًا منه عنهم بكتمانهم الحق الذي يعلمونه ، فيكون قوله : " وتكتموا " حينئذ منصوبًا لانصرافه عن معنى قوله : " ولا تلبسوا الحق بالباطل " ، إذ كان قوله : " ولا تلبسوا " نهيًا ، وقوله " وتكتموا الحق " خبرًا معطوفًا عليه ، غيرَ جائز أن يعاد عليه ما عمل في قوله : " تلبسوا " من الحرف الجازم . وذلك هو المعنى الذي يسميه النحويون صَرْفًا ( 1 ) . ونظيرُ ذلك في المعنى والإعراب قول الشاعر : لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ . . . عَارٌ عَلَيْكَ إَِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ ( 2 )
--> ( 1 ) ذكر هذا الفراء في كتابه معاني القرآن 1 : 33 - 34 ، ثم قال : " فإن قلت : وما الصرف ؟ قلت : أن تأتي بالواو معطوفًا على كلام في أوله حادثه لا تستقيم إعادتها على ما عطف عليها ، فإذا كان كذلك فهو الصرف ، كقول الشاعر : . . . " وأنشد البيت وقال : " ألا ترى أنه لا يجوز إعادة " لا " في " تأتي مثله " ، فلذلك سمى صرفًا ، إذ كان معطوفًا ، ولم يستقم أن يعاد فيه الحادث الذي قبله " . ( 2 ) هذا من الأبيات التي رويت في عدة قصائد . كما قال صاحب الخزانة 3 : 617 . نسبه سيبويه 1 : 424 للأخطل ، وهو في قصيدة للمتوكل الليثي ، ونسب لسابق البربري ، وللطرماح ، ولأبي الأسود الدؤلي قصيدة ساقها صاحب الخزانة ( 3 : 618 ) ، وليست في ديوانه الذي نشره الأستاذ محمد حسن آل ياسين في ( نفائس المخطوطات ) طبع مطبعة المعارف ببغداد سنة 1373 ه ( 1954 م ) ، وهذا الديوان من نسخة بخط أبي الفتح عثمان بن جنى . ولم يلحقها الأستاذ الناشر بأشتات شعر أبي الأسود التي جمعها .